فخر الدين الرازي

109

تفسير الرازي

على حكم مذكور في آية بعد هذه الآية ، والذي يؤكده أن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله : * ( حتى تغتسلوا ) * ثم يستأنف قوله : * ( وإن كنتم مرضى ) * لأنه حكم آخر . وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا لم نحتج فيه إلى هذه الالحاقات فكان ما قلناه أولى . ولمن نصر القول الثاني أن يقول : إن قوله تعالى : * ( حتى تعلموا ما تقولون ) * يدل على أن المراد من قوله : * ( لا تقربوا الصلاة ) * نفس الصلاة لأن المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه ، أما الصلاة ففيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها ، فكان حمل لآية على هذا أولى ، وللقائل الأول ان يجيب بأن الظاهر أن الانسان إنما يذهب إلى المسجد لأجل الصلاة ، فما يخل بالصلاة كان كالمانع من الذهاب إلى المسجد فلهذا ذكر هذا المعنى . المسألة الثالثة : قال الواحدي رحمه الله : السكارى جمع سكران ، وكل نعت على فعلان فإنه يجمع على : فعالى وفعالى ، مثل كسالى وكسالى ، وأصل السكر في اللغة سد الطريق ، ومن ذلك سكر البثق وهو سده ، وسكرت عينه سكرا إذا تحيرت ، ومنه قوله تعالى : * ( إنما سكرت أبصارنا ) * ( الحجر : 15 ) أي غشيت فليس ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقيقتها ، ومن ذلك سكر الماء وهو رده على سننه في الجري . والسكر من الشراب وهو أن ينقطع عما عليه من النفاذ حال الصحو ، فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في حال صحوه . إذا عرفت هذا فنقول : في لفظ السكارى في هذه الآية قولان : الأول : المراد منه السكر من الخمر وهو نقيض الصحو ، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين . والقول الثاني : وهو قول الضحاك : وهو أنه ليس المراد منه سكر الخمر ، إنما المراد منه سكر النوم ، قال : ولفظ السكر يستعمل في النوم فكان هذا اللفظ محتملا له ، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه ، أما بيان أن اللفظ محتمل له فمن وجهين : الأول : ما ذكرنا : أن لفظ السكر في أصل اللغة عبارة عن سد الطريق ، ولا شك أن عند النوم تمتلئ مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ، ولا ينفذ الروح الباصر والسامع إلى ظاهر البدن . الثاني : قول الفرزدق : من السير والادلاج يحسب انما سقاه الكرى في كل منزلة خمرا وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له فنقول : الدليل دل عليه ، وبيانه من وجوه : الأول : أن قوله تعالى : * ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) * ظاهره أنه تعالى نهاهم عن القرب من الصلاة حال صيرورتهم بحيث لا يعلمون ما يقولون ، وتوجيه التكليف على مثل هذا الانسان ممتنع بالعقل والنقل ، أما العقل فلأن تكليف مثل هذا الانسان يقتضي تكليف ما لا يطاق ، وأما النقل فهو قوله عليه الصلاة والسلام : " رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى